محمود سالم محمد

170

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

قطب النّهى غوث العوالم كلّها * أعلى عليّ ساد أحمد من حمد روح الوجود حياة من هو واجد * لولاه ما تمّ الوجود لمن وجد عيسى وآدم والصّدور جميعهم * هم أعين هو نورها لمّا ورد لو أبصر الشّيطان طلعة نوره * في وجه آدم كان أوّل من سجد « 1 » فالحقيقة المحمدية ظاهرة في الأبيات والنبي هو سبب الوجود وهو نور الأنبياء وهداهم ، وهو القطب أو غوث العوالم كلها ، وهذه كلها معان صوفية لا يني الشعراء المتصوفة يذكرونها في شعرهم . والشاعر هنا يستغرق في عالمه الصوفي ، فلا يظهر لنا الفصل بين عالمه المتخيل وبين حقيقة ما يتحدث عنه ، لأن الألفاظ عند المتصوفة تستحيل إلى رموز قد تشفّ وقد تستغلق ، فلا يفكّها إلا من اتّبع طريقتهم وسار شوطا كبيرا في مدارجهم ورياضتهم الروحية . نصل من ذلك كله إلى أن الشعر الصوفي ، تيار قائم بذاته ، يعبر عن أحوال المتصوفة وتطلعاتهم وعقائدهم ومواجدهم . وقد جاء ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الشعر ، لأنه شعر ديني ، فلا بد من أن يذكر صاحب الدين فيه ، ولأن بعض المتصوفة تطلعوا إلى مقام النبوة ، ولأن من معتقدهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو القطب الأول للصوفية ، وهم ورثته ، لكن هذا الذكر ظل متفاوتا ما بين الإشارة الغامضة إلى المديح الصريح ، وهذا الذكر لا يدخل الشعر الصوفي ضمن المدائح النبوية ، لأنه لم ينظم أصلا من أجل مديح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وعند ظهور المدائح النبوية ، شارك المتصوفة في هذا الفن الجليل مشاركة واسعة فاعلة ، وأثّروا فيه تأثيرا كبيرا ، فكانت مقدماتهم الغزلية ، وحنينهم إلى المعاهد المقدسة ، من الأشياء التي حافظت عليها المدحة النبوية ، بالإضافة إلى كثير من أفكارهم واصطلاحاتهم وعباراتهم التي أضحت شائعة متداولة في الشعر العربي عامة ، وشعر

--> ( 1 ) المجموعة النبهانية : 2 / 55 .